الملا فتح الله الكاشاني

44

زبدة التفاسير

والثالث : أن يتنزّه عمّا يشغل سرّه عن الحقّ ، ويقطع عمّا سواه في جميع الأحوال . وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى : * ( اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِه ) * « 1 » . وقد فسّر قوله : * ( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) * على الأوجه الثلاثة . قال صاحب الكشّاف والأنوار « 2 » ما حاصله : إنّ هذه الجمل الأربع بعد أن رتّبت هذا الترتيب الأنيق ، ونظمت هذا النظم العجيب ، لم تخل كلّ واحدة منها من نكتة ذات جزالة ، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأحسنه ، وهو بيان أنّ هذا الكتاب المتحدّي به مؤلَّف من هذه الحروف المتداولة بين الناس . وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة . وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف حذرا عن إيهام الباطل كما مرّ . وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الَّذي هو « هدى » موضع الوصف الَّذي هو « هاد » ، وإيراده منكّرا للتعظيم ، وتخصيص الهدى بالمتّقين باعتبار الغاية ، وتسمية المشارف للتقوى متّقيا إيجازا وتفخيما لشأنه . زادنا اللَّه اطَّلاعا على أسرار كلامه ، وتبيينا لنكت تنزيله ، وتوفيقا للعمل بما فيه . وقوله عزّ اسمه : * ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) * إمّا أن يكون مجرورا بأنّه صفة للمتّقين ، أو منصوبا أو مرفوعا على المدح على تقدير : أعني الذين ، أو : هم الَّذين يؤمنون . وإمّا أن يكون منقطعا عمّا قبله مرفوعا على الابتداء ، وخبره « أُولئِكَ عَلى هُدىً » ، فيكون الوقف على « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » تامّا . وعلى التقادير ، تخصيص الإيمان بالغيب ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر ، إظهار لفضلها على سائر ما يدخل تحت اسم التقوى . واعلم أنّ الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق ، مأخوذ من الأمن ، كأنّ المصدّق آمن المصدّق من التكذيب والمخالفة . وعدّي بالباء فقيل : آمن به ، لأنّه

--> ( 1 ) آل عمران : 102 . ( 2 ) الكشّاف 1 : 37 ، أنوار التنزيل 1 : 50 .